الغزالي

63

إحياء علوم الدين

نفسك ودينك بدين غيرك أو بدنياه ، وأنت مع ذلك لا تأمن عقوبة الدنيا ، وهو أن يهتك الله سترك ، كما هتكت بالتعجب ستر أخيك . فإذا علاج جميع ذلك المعرفة فقط ، والتحقق بهذه الأمور التي هي من أبواب الإيمان . فمن قوى إيمانه بجميع ذلك ، انكف لسانه عن الغيبة لا محالة بيان تحريم الغيبة بالقلب اعلم أن سوء الظن حرام ، مثل سوء القول . فكما يحرم عليك أن تحدث غيرك بلسانك بمساوي الغير ، فليس لك أن تحدث نفسك وتسيء الظن بأخيك . ولست أعنى به إلا عقد القلب وحكمه على غيره بالسوء . فأما الخواطر وحديث النفس ، فهو معفو عنه . بل الشك أيضا معفو عنه . ولكن المنهي عنه أن يظن والظن عبارة عما تركن إليه النفس ، ويميل إليه القلب . فقد قال الله تعالى : * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً من الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ) * « 1 » . وسبب تحريمه أن أسرار القلوب لا يعلمها إلا علام الغيوب ، فليس لك أن تعتقد في غيرك سوأ إلا إذا انكشف لك ، بعيان لا يقبل التأويل ، فعند ذلك لا يمكنك إلا أن تعتقد ما علمته وشاهدته . وما لم تشاهده بعينك ، ولم تسمعه بأذنك ، ثم وقع في قلبك ، فإنما الشيطان يلقيه إليك ، فينبغي أن تكذبه ، فإنه أفسق الفساق . وقد قال الله تعالى . * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ ) * « 2 » فلا يجوز تصديق إبليس : وإن كان ثم مخيلة تدل على فساد ، واحتمل خلافه ، لم يجز أن تصدق به ، لأن الفاسق يتصور أن يصدق في خبره ، ولكن لا يجوز لك أن تصدق به . حتى أن من استنكه فوجد منه رائحة الخمر ، لا يجوز أن يحد ، إذ يقال يمكن أن يكون قد تمضمض بالخمر ومجها ، وما شربها ، أو حمل عليه قهرا . فكل ذلك لا محالة دلالة محتملة

--> « 1 » الحجرات : 12 « 2 » الحجرات : 6